محمد بن وليد الطرطوشي

24

سراج الملوك

اتجهت نحو بلاد المسلمين جموع من الوحوش ، يدفعها الحقد ويسيرها الطمع في النهب والسلب ، فعم الدمار والخراب كل أرض تطأها ، وسادت الفوضى وزاد تفكك المسلمين وضعفهم . . . إلى أن قيّض اللّه تعالى لهذه الأمة جمع شملها ودحر عدوّها . 2 - بداية عهد ملوك الطوائف في الأندلس ، حيث تفرقت كلمة المسلمين هناك حتى أصبح في كل مدينة ملك أو سلطان ، فالسلاطين هناك مع ما كانوا يرونه من سقوط مدينة بعد أخرى بيد النصارى - الذين يحملون العداء الديني والحقد الصليبي والمشحونين ببركة البابا وتقديس الكنيسة إلا انهم لم يعتبروا أبدا ، بل ظلّوا في قتال بعضهم بعضا ، ومنهم من كان يطلب عون الطاغية النصراني ضد أخيه ، لا في سبيل توحيد الإمارات بعد تفتتها ، وإنما في سبيل تعزيز حكمه وإشباع طمعه وإرضاء شهوته . 3 - تراجع نفوذ الفاطميين وقوتهم ، وظهور البدع والمنكرات وعدم قيام الصلوات ، بل دبّت مظاهر الاختلاف بينهم وبين السنة من المسلمين ، وقد سبق ذكر ذلك حيث كان الطرطوشي يقول : ( إن سألني اللّه تعالى عن المقام بالإسكندرية - لما كانت عليه في أيام العبيدية من ترك إقامة الجمعة وغير ذلك من المناكر التي كانت في أيامهم - أقول له : وجدت قوما ضلّالا فكنت سبب هدايتهم ) . ولعل المصدر الأهم هو في شخص الطرطوشي - يرحمه اللّه - ، وما يملكه هذا العالم العابد من ثقافة واسعة ، وعلم غزير ، وصدق إيمان ، ومضاء عزيمة ، وعلو همّة ، وروعة زهد ، وحسن خلق ، وثبات على الحق وتضحية بالنفس في سبيله ، وقول كلمة الحق لا يخشى في اللّه لومة لائم . . . فلو نثرت كل الآثار والأخبار ، والسير والأشعار ، والحكم والأمثال . . . فإنها لا تخرج عملا فنيا متكاملا ، إلا لمن توفرت له الملكة الأدبية ، وكان حاذقا بارعا في صناعة الكلمة ، وحسن التعبير ، ودقة التحليل ، وجمال العرض ، وروعة البحث ، وحلاوة اللفظ ، وبراعة الفكرة ، ونبل القصد ، ودقة الفهم . . . وقد تحقق كل هذا في الشيخ الطرطوشي - يرحمه اللّه - ، الذي عاش بروحه